الشيخ محمد رشيد رضا
35
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى أن قال - ومنه اللغو في الايمان أي ما لا عقد عليه ، وذلك ما يجري وصلا للكلام بضرب من العادة . ثم ذكر عبارة الآية وبيت الفرزدق الآتي وقال في مادة [ عقد ] : العقد الجمع بين أطراف الشيء ، ويستعمل في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء ، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو عقد البيع والعهد وغيرهما ، فيقال عاقدته وعقدته ، وتعاقدنا وعقدت يمينه . قال ( عاقدت ايمانكم ) وقرئ ( عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ ) وقال ( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) وقرئ ( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) اه وأقول التشديد قراءة الجمهور والتخفيف قراءة حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم . وقرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان ( عاقدتم ) من المعاقدة ، وكتابة الكل في المصحف واحدة - هكذا « عقدتم » بدون ألف . وما في قوله « بما عقدتم » مصدرية ، قال الزمخشري : بتعقيدكم الايمان وهو توثيقها بالقصد والنية ، وروي أن الحسن رضي اللّه عنه سئل عن لغو اليمين وكان عنده الفرزدق فقال : يا أبا سعيد دعني أجب عنك فقال : ولست بمأخوذ بقول تقوله * إذا لم تعمّد عاقدات العزائم ثم أقول إن ما فسر به الراغب العقد لم يوضحه ، فليس كل جمع بين طرفين عقدا ، وقد يكون العقد في غير الأطراف . فهو كما قال في لسان العرب نقيض الحل ، فعقد الايمان توكيدها بالقصد والغرض الصحيح ، وتعقيدها المبالغة في توكيدها ، فهو كعقد الشيء لشده أو ما يعقد على الشيء من خيط أو حبل ليحفظه ، وقد قال تعالى في سورة النحل ( 16 : 91 وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها - إلى أن قال - 92 وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ) فاستعمل في الايمان النقض الذي هو ضد الإبرام ، وهما في الأصل للخيوط والحبال ، وكذلك النكث الذي هو ضد الفتل فيها ، وكلاهما قريب من الحلّ الذي هو ضد العقد . فمجموع الآيات في المائدة والبقرة والنحل يدل على أن المؤاخذة في الايمان انما تكون في المؤكد الموثق منها بالقصد الصحيح والنية